la petite voix qui dit de grandes choses…

…قرار الهدم

تحت سماء الغربة…بين أقبية الشجن المنتصبة… حررت شعرها بمياه المستنقعات… أقامت حضارة الجاهلية…  و مارستها علنا من غير تحفظ… وجدت لقيثارتها منصبا بين جوق الضفادع… و راحت تعزف ألحانا… أطربت مسامع القمل العابث بذاكرتها الحزينة…

بعد عزلة يعجز عجوز الوقت على عد عمرها… عاودها شوق الأطلال… و قررت بعد دراسة و تحليل… العودة إلى ديار الوطن… مع الريح … و أسراب الجراد… و في حقيبتها… قرار بالهدم…

كانت الشمس تستعد للشروق… حين اجتازت بوابة المدينة…

 دخلت ديارها العجوز…

و برغم التجاعيد على جدران الحي…

 برغم كل الشجار التي اختفت… و الأسوار التي كسرت… لا زال عطر الياسمين المعلق على شباك النافذة الخلفية… يهيم بين الشوارع… ينام نوما طيبا مع الغبار تحت وشاح العناكب… على صورة والدتها بجانب السرير…

برغم الفوضى… و عائلة الغياب التي تسكن البيت منذ رحيلها… قبل سبعة عشر عاما… لا زال البيت دافئا… و لا زالت غرفتها… تعج بمراسيل الهوى… و عناوين الأصدقاء القدامى…

جلست على الكرسي الأخضر… حتى بقع الحبر على المكتب… كانت تبدو طازجة… كحبات المطر… خلف زجاج النافذة المنثور هنا و هتا بين شظايا قلبها…

أشعلت سيجارة… ثم أخرى … و أخرى… ثم شرعت في حملة نظافة و تجديد دماء…  دامت قرابة الأسبوع…   و عادت الحياة إلى البيت القديم… بعد صمت دام سبعة عشر عاما… أخرجت موسيقاها و كتبها العتيقة من الحقيبة الخضراء… و وضبتها على رفوف المكتبة… بعد حرب… استشهد خلالها ألوف الصراصير… و يتمت مئات العناكب…  و شرد الكثيرون و أضيفوا جبرا إلى قوائم المنكوبين…

أزهر الياسمين… و زين شباك النافذة الخلفية…

 و زين الحزن شبابيك قلبها الحزين… كلما نظرت من النافذة الخلفية…

كانت تخرج صباح كل يوم لتبتاع السجائر… و الجريدة اليومية… تمشي كغريبة في حيها العجوز…

سبعة عشر سنة… كانت كافية… لتجعل من مهدها منفى لا يعرفها و تعشقه…

حتى معهد الموسيقى… غيرت الأيام ملامحه… و تحول إلى دار شيخوخة…

أصبحت الطرقات ضيقة… و بلغت ذروة الضيق… حين أهل رسم عشيقها الأول و الأخير… يحمل برعم خيانته بين يديه… تاهت في ظله الوارف… و حملتها كوكبة الذكرى إلى يوم الوداع… عند النافذة الخلفية… و سالت حروف مرسوم الفراق… على وجنتيها… عذبة كسيلها من حنايا الياسمين… قبل سبعة عشر عاما… و واصلت السير… حتى بلغت البيت القديم… فتحت الحقيبة و أخرجت قرار الهدم… و قارورة فودكا… ترتعش تحت قطعة من سماء روسيا الجليدية… و بنعومة راقصة باليه… أشعلت سيجارتها الخيرة… لكن لهب السيجارة… لم يكن كافيا لإخماد احتراق الياسمين بشبابيك قلبها… فرشت المكتبة و السرير… و ثوبها… بللت حتى الحقيبة الخضراء بمطر روسيا… و أحرت البيت و احترقت…  هكذا فقط … نفذت قرار الهدم…

قالمة

2007-03-20

20 février, 2009 à 23:50


Laisser un commentaire