la petite voix qui dit de grandes choses…

…قرحة في المعدة

انجلى شتاء أحمق أخرقت شمسه المزن و المطر… و مع احتضاره… أخرجت السماء معطفها الرمادي… و عزفت ريح العودة بعد طول اغتراب…

بلغها في آخر مراسيله… أن المدينة تنام تحت الثلوج منذ ثلاثة أيام… حدثها عن حقيبة آخر عشيقاته… و أحمر شفاهها… و عن حماقة كلبه … التي دنست المقعد الخلفي للسيارة… و عن فيلم السهرة…

لكن الشمس عادت و ذابت الثلوج… و سكنت الريح… بعد أن أثارت غبار العشق… و نثرت رماد المزن هنا و هناك بين طيات معدتها المتقرحة… و جاءها الليل بغابة ظلمته الحالكة… فهاجمتها وحوش الإلهام… و احتدم الحزن و الظلام…

و بعد مقاومة و تصد… سقطت روحها جريحة تنزف حبرا…

وقفت على شاطئ الهوى… ترجو الغرق… و كانت مغوارة تتأمل ميلاد الأمواج و انتحارها… تقبل رائحة البحر… تعانق النسيم… تخاطب ما بعد خط الأفق… حتى بلغت حد الدوار… فتقيأت آلامها العتيقة… و جرجرت روحها المهزومة…

فالبحر هائج… و الغابة مظلمة… ثم الذئاب و الصقور… تحترق جوعا…

مشت طويلا و لم تصل… كانت الطرقات متشابهة…  أشجار عارية… و أخرى تلبس بعض الزهر النحيل… أو الورق الأخضر الشاحب… و الأجواء تفوح ربيعا… و شذا طير تائه بين عتمة الليل و صبى الفجر القادم من بلد المستحيل…

جلست… و قد نلم الصحو على مهد قلبها… ترجو الصمت بين حنايا خاطرتها… فأفكارها تنبض بشدة… و كان الصداع حادا…

لكن نحيب شهرزاد… كان أحد… و نبض قلبها كان أشد… فالمسكينة… جلست وسط غرفة مظلمة… بلا جدران… بينما الخدم و الحراس غادروا الإيوان… حتى شهريار… خرج حافيا… يهيم بين شوارع بغداد الضيقة… المزدحمة بالدم و الانفجارات… بحثا عن بائع ربيع… يبيعه باقة ورد حمراء… أو طوق بنفسج… يعزز الأعذار… و يعيد لرائعة كل الأزمان… جمالها الأول…

 » توقفي أيتها الأفكار المتمردة عن العبث… فشهرزاد تحكي في ظلمة غرفتها…و تقول عن شهريار أنه أمضى الليلة الألف بين عطور حسناواته… يحتسي خمرا… و يقامر بيوميتها…فأحرق الألف ليلة بحكاياتها… و صنع من ورقة الغد…زورقا… ضاع بين أمواج الدهر… ليرسو… على ضفاف نهر ساعات عاشق يتيم… لطالما أشارت عقارب قلبه الصفراء… إلى أحزان بلا هوية…

و تحولت رائعة كل الأزمان… إلى ألف ليلة و لا شيء بعد…

كان الزورق يشبه في عتمة شراعه أية ليلة عادية… لكن… على صدره رصعت نجمة و هلال… و كان بائع الأزهار في رحلة عسل… يجرب فنادق روما… أو رمال جزر الكناري… فامتطى شهريار فرسه الشقراء… و شق الغبار… بحثا عن غد الألف ليلة…

للمرة الأولى… وضع العاشق اليتيم… رأسه على وسادته المبللة بأنواء الغياب… و قرأ كما لم يقرأ يوما…  جمال ليلة… كتب على قرطاس ظلمتها و بأحرف من ذهب… قصيد تعريف أرقه الشديد… و سافر يبحث في دفئه عن اسم عشيقته…

لكن… ودون سابق إنذار… سقط رأسه و القصيد… و سال النهر مع الدماء… ليعود شهريار مع فرسه… و معه بعض الخدم و الحراس… قيما ضاع بعضهم الآخر في دخان الصراع المحتدم بين الشيعة و السنة… و اعتقلت أمريكا بعضهم الأخير…

اشترى شهريار منديلا للجميلة شهرزاد… بدلا من باقة الورود و طوق البنفسج…لتعود الرائعة إلى ما كانت عليه… و تنتهي الألف ليلة و الليلة… بموت العاشق اليتيم… « 

هكذا اختارت أن ترسل روحها المهزومة الى منفى العراق… بدلا من أن تكتب له و ببساطة… أنها… لا تضع أحمر الشفاه… و تحمل الحقائب المشحونة بالعطور كجميع النساء… و لا ترتكب الحماقات… على المقاعد الخلفية للسيارات كجميع الكلاب… ختى و أنها و غم بطولاتها و جنونها العتاد… لن تحاول الرقص مع الذئاب… ك *كيفين كستنر*  في فيلم السهرة… بل هي و ببساطة… تشتاق لوجهه الباسم… بأدق تفاصيله… و تحن إليه…

لكن ذلك و ببساطة… سيطون توقيع مرسوم القضاء على روحها المهزومة… و الجرعة القاتلة التي ستقضي على كبريائها…

فاختارت عقد صفقة مع الصدفة… بدل إبرام اتفاق مع الذئاب الجائعة و الصقور… و كانت تعلم أنه حتى و إن تعددت السباب سيظل الحزن واحدا… و لكن…

وضعت تصميم الخطة… و كانت تبدو طازجة… جاهزة للطهي… على حرائق قلبها … و قرحة معدتها… فالصدفة وقعت الاتفاق… و سال الوقت الضائع… و استعد للرحيل هدرا… وراءه…

« أولا… » قالت لجيوش وحدتها…

 » سنخطو خطى طريدتنا… حتى نصير لها ظلا… و ستظللنا الصفقة… فتتشابك أبصارنا… صدفة… لتفترق بعد مجرد التحية… ثم نخون العهدة… و نفسخ الاتفاق… لنمر مباشرة… إلى اللقاء المعلن… ثم المنظم الموعود… ليطول حديثنا شيئا فشيئا…

في البداية لن تنتبه الطريدة لوجودنا… و قد تستغرب بعض الشيء… ثم تتأقلم و تعتاد… لتدمن… و تعتنق بشدة… لتحتاج… و تشتاق… لتنتهي بالبحث عنا… و نكون عندها قد انتهينا…   »

و جاء الصباح يختال باكيا… لتخرج إلى العمل… تحت سماء لبست معطفها الرمادي… و الشتاء يحتضر… كانت تمشي على وقع أغنيته المفضلة… تحت المطر… فهي لم تقتنع يوما بحضارة المطرية…

فجأة…

سكتت الأغنية بجوفها… و شعرت بجسدها ينتشر… و يتجزأ… لينثر بين حبات المطر… و سقطت في صمت مع سقوط المطر…

تأزمت حالة قرحتها… فأنجبت نزيفا… حادا… أرسلها إلى قاعة العمليات…

و ما إن فتحت عينيها… في غرفة الإنعاش… استأنفت الموسيقى… و لملمت جزيئاتها واحدة…واحدة… لتكتب له… في آخر مراسيلها…

 » … أيها الخدن الطيب…مضى وقت طويل… عن آخر وجبة أكلتها… و ها أنا اليوم… و للمرة الأولى… منذ رحيلك… أِعر بالجوع الشديد… « 

حدثته عن مرضها… و عن زيارتها الجبرية… و اعتقالها بين الجدران الخضراء… حدثته ختى على الناموس… و الحشرات الخضراء… التي تزورها كل يوم…  قالت أنها أحبت الرقص مع الذئاب…  لكنها نسيت أن تقول:

« … أورثني حبك الخرس قرحة في المعدة…و أنا و ببساطة… أشتاق لوجهك الباسم بأدق تفاصيله… و أحن إليه… »

قالمة

07/03/2007          

21 février, 2009 à 12:49


Laisser un commentaire