la petite voix qui dit de grandes choses…

…الحقائب الورقية

 

*فتاة المطعم موسكوفية اسمها ناتاشا…. و أحب أن أسميك مثلها ناتاشا…*

- نزار قباني -

« بعد أن فرقتنا اللغة جاءنا الصمت موحدا… فصرنا نلتقي… رغم خلافاتنا… لنكتب تاريخنا العشقي…تحت ذات المعطف الرمادي المنطفئ… »

… مضى أسبوع  أخرس… مارست فيه حقائبي…الورقية…تظاهرها ضد فقري اللغوي… بجميع طقوسه…

احتجت ضد العزلة و الصمت…

لوحت بعلامات الشوق…

و أخرجت لائحات ثائرة ضد همجية الأحزاب اليمينية المستبدة…

فمن تحت الأنقاض… حقائبي اللينينية الصغيرة… تؤمن بالشعب و العدالة… لا لاقتناعها بالمبادئ و الثورات الاشتراكية… لكن لأنها جبرا…

تنام في الرف اليمين…

لمكتب السياسة الزوجية…

و لأن الزمن يميل إلى اليمين…

و الله يحب اليمين…

و الجنة… و الملائكة كلها تنتخب اليمين…

و لأن البرد هنا عجوز في الستين من عمره   …

يساري … راكد كبركة زيت…

و مربك… كمحطات الصمت بين قطارات العاطفة…

يصلبها بحبال القهر على جدران الارميتاج…

و يدحرها إلى…  اليمين…

البرد هنا… كثيرا يشبهه… فبعد ستين عاما من المقاومة اليسارية …خاضها بالفطرة…أصبح وجهه المتدحرج بين الصمت و الركود…لغزا باردا… كشمعة تحتضر احتراقا…لتسدل غمامة… سرية لدرجة الكآبة…

أما أنا…

فبعد عشرة أعوام من السفر القانوني… تحت وطأة اسم زوجة الدبلوماسي الثقيل… لازلت…مجرد نحلة مناضلة تكتفي بالنوم و الكتابة جبرا فسرا… تحت قمع الجبهة اليسرى من السرير…و أكتفي إذعانا… بمنصب بسيط بورشة تفكيك شفرات وجهه الحزين…و ملامحه الغامضة الملغمة

…بيني و بين آخر مغامرة حبرية خضتها…

انتصب أسبوع روسي من الأسر المختار المعلن…

فلأسباب سياسية محضة…

اخترت عدم الخروج و المقاطعة الشعرية…

لأن سبل الحوار… منعدمة…

استيقظت… بعين تجهش للنزيف…مرة أخرى… على وقع صهيل حقائبي الصغيرة …

كان القسم اليساري من السرير الرحب… خاو على عرشه… و لحقت ساعة إخلاء القسم اليسار…

جرفت قلبي المثقل بالأشواق إلى المطبخ الدبلوماسي…حيث انتظرتني خيبات يسارية عدة…

كانت جميع القوارير فارغة… و لا شيء يؤكل… سوى… ورقة صغيرة… كتب عليها… بخط سياسي رصين… ككذبة شاعرية محتسبة …

من اليسار إلى اليمين…

أنا ذاهب لموسكو… في رحلة عمل…

سأعود بعد ثلاثة أيام… لنحتفل بعيدنا…

و عدت لغرفتي… مقتنعة حد النخاع … بأن نهاية الأسبوع…ستكون… عقوبة  مضجرة بلا نهاية… و صداع يساري حاد…

ما اعتقدتها… قد تطرق بابي…

فهته المدينة الرمادية… الماطرة كقلبي… تكتفي بالمرور في وقار… على مقربة من نافذتك… لتسلبك جميع وثائقك…وتفك مؤامرتك ضد سياستها… لتجد نفسك كما في لحظات العشق القصوى…عبد يسمع…و يطيع أوامرها الملكية… بالانضمام لصفوف شعبها اليساري…

و حدثت المعجزة…و اقتحمت المدينة القيصرة  قاطرتي الموقوفة بتهمة المطر…

وجدتني نائمة… بنصف عين… لأن النوم أجمل توقيع قد يختم به المرء بريد غياب مفتوح… و نصف اليقظة… قنديل يتيم يدل أمل العودة إلى الوطن… عن عناوين عشاق… تناسها زمن الحب… و تآكلتها السياسة…

… انحنت جدراني انحناءة إجلال لسيدة القياصرة… و علقت علامات ذهولها و احتارت… لما مرت في صمت جمع شملنا بعد أن فرقتنا اللغة… فأعدت لي قهوة على عجل…و رفعت عني الحصار…

سانت بطرسبرغ مدينة تقتحمك صمتا…

دون سابق إصرار أو ترصد…

و في جيب معطفها الماطر تذكرة للسفر…

عبر التاريخ و خارج مدار الزمن…

سماؤها… رمادية كمعطفي…

كانت الشمس تستعد للطلوع… لما رن هاتفي… ليوقفني قبل أن أعبر الشارع الثاني خلف الشقة الدبلوماسية… كانت حقائبي تتغرغر شعرا و ترتعش احتفاء… بعودة موسم البرد و المطر…

كثيرا تشبهني هته المدينة اللينينية الهوية…

في رسميتها… و شعبيتها… و حقيقتها اللايمينية و الايسارية…

مثلي تماما…سانت بطرسبرغ مجرد امرأة رمادية… خاضعة للتيارات السياسة الرجولية…

هاتفي…

عائد من السفر… بعد ساعات… لأن السياسة كما تعلم الخيانة… تخون…

و عدت للشقة الدبلوماسية…

و في حقيبتي متفاعلات حبرية جديدة…

و لكن الريح العكسية تلاحق السفن الرمادية الأشرعة حيث ما كانت…

كان في الغرفة … يرقب عودتي…

لم تدم رحلته سوى بضع ساعات… لكن وجهه الملغم ازداد تجعدا… و بردا بعثر متاعي الحبري الثائر بين أطراف الغرفة الأليفة…

استسلمت لحقيقة عجزي على فك ملامحه الروسية الهدوء… فالفودكا…و السجائر اليسارية…و عطور السياسة الفاخرة… عوضت اللبن و العسل و التمر و زيتون العروبة بعروقه… و أنسته دقة الحناء و الكحل الخجول بقرة بيته… فصار يمشي عبثا وراء مطالب اليسار… و ينام إلى اليسار…و يخون قسم الحب رافعا كفه اليسار…

أما أنا… فأكتفي بالقسط اليمين من السرير… وفاءا لشخصيتي الورقية الهاربة من قيد الضجر و فوضي الملل…

يتبع

 

21 février, 2009 à 13:12


Laisser un commentaire