la petite voix qui dit de grandes choses…

…عائدة الى الأسود

لملمت بعضي و خرجت بخطوات من سرق قلبا لم و لن يكون له إلى الأبد…

قد يبدو الحب أشهى ساعة الجلاء… لكن الهروب منه يبقى كالمشي ثملا على حبل بكعب عالي… لذا اخترت التواضع لقدري بالمشي حافية القدمين…

ذات حزيران… و المطر ينزل في خفر… وجدتني أجتاح شارع حزن جديد على حيطة شبه عتمة… ألبس ثوب الخيانة عامدة متعمدة… أجر خيبة جديدة و مشروع كتاب…

اعتقدتني قد أطفئ حرقتي بقدح نبيذ أسكبه على نار أضرمها القدر فاحترقت بها شوارع بيروت و جوارحي… لكن الحب  كالحرب لحظة الخيانة الكبرى… إن لم تمت فيهما حزنا… فلك عذاب الضمير… إلى أن يخور صبرك… لتنهار أعصابك… عصبا … عصبا… حتى الجنون… 

كانت رائحة الخبز تنبض بجوفي… و الحياة تدب ببطء شديد في عروق المدينة…

براغ… الرائعة الباروكية المتشبعة بالتاريخ… تستقبل صيفها بعيدا عن وطأة المدافع و الدبابات…  تتفتح لصباحات جديدة … تتنكر للخيانات و الخيبات الليلية ببودرة الضياء …

غريبة هي محطات القطارات الصباحية… دائما تعج بأناس مستعدين للسفر… و كأنهم ناموا فاستيقظوا على سكك الرحيل… بل و كأنهم ولدوا ليموتوا على سنة الرحيل … تذكرك دوما بأن الحياة لا زالت و ستظل على حالها المعتاد… جملة من التنقلات المملة… بين شؤون اخترتها أو  وضعت على سبيلك صدفة… أو بمشيئة قلما تتشابك و مشيئتك…

  

 السفر صفة ثابتة في جنس البشر…  و كم يخطئ المرء قصده…

بائع التذاكر… بابتسامته المغرية… و تحيته المسكية المذاق… قد يكون هو السبب في تفاقم حزني اليوم… فهو شاهد على سقوط بيروت… و كل من صادفتهم في محطة خيبتي الباكرة … جميعهم شهود على سقوط بيروت…

 غريبة هي المفارقات العشقية المؤنثة… قضيت عمرا ألهث خلف حب مستحيل… استحالة الماء في لمع السراب…  و ها أنا أجتاح حلمي الأخير في قطار المطرودين من واقع خبيث كورم عصي… يعبث بنبض العروق… أقف عند كل بؤرة شك… أنفض عني رواسب عمر احترق سرا… أكفكف دمعي الغزير… بمنديل مطرز بخيوط الصبر… هروبا من قصيدة غزل…

بلغت نزلي… قبل مطلع الشمس… تسللت لحمامي… على الرغم مني… فلا زلت أعاني من عقدة الحمام…

ما قد يسميه المرء زلة وعي… قد يسميه الآخر فشلا … كذلك فشلت… منذ عام… في تنفيذ مبدأ تقطيع العروق…

كيف؟؟؟ كيف أخفقت… بالرغم من  جرعة الأسبرين و حبوب النوم و النزيف المعصمي…في مهمة الالتحاق بموكب بيروت؟؟؟ أعتقدني أخطئت جرعة حزني… فوحده الحزن قادر على تحمل عبئ هته السفرات المدروسة …

 

تمنيت لو اختصرت ذاكرتي كل ما تجرعته يومها… في صورة جثة رسمت بالطبشور على أرضية الحمام… لكن الرياح دوما تهب بما لا تشتهيه السفن… لأجدني كبحار لا يعرف شيئا عن شعائر الملاحة أيام العاصفة… مذ تركت غيبوبتي عودة إلى الجحيم… دائما يعاودني ذات الكابوس… لا أسمع فيه سوى صفارات الإسعاف… وسط غرفة تعج بالأشرطة الصفراء… و رجال الشرطة… تتداخل الأضواء الحمراء و الزرقاء بجوفي… لأتيه بفوضى ظنوني التي تأخذ منحى بنفسجة انفتحت على كارثة صباحية… و محاولة اغتيال … أو انتحار…

ما الكوابيس… سوى انعكاس الجزء المظلم من فكر البشر… و ما الخوف منها سوى تجسيد لخوفنا المعتاد من الظلام لا أكثر…

لتحب الظلام… تجرد من عقدك الفرويدية كلها… و مارس احتراقك من غير تحفظ … علمتني الغربة حب الظلام…   فبعض المدائن كالنساء… يزددن افتتانا عندما يتجردن من زيف الضياء… ليبكين سرا خيباتهن على مخدة الليل… كذلك براغ يوم استقبلتني… كانت تلبس نسمة خفيفة فائقة الإغراء… تكشف محاسنها في حشمة عتمة … ممراتها الحجرية… قصورها الدوقية… كنائسها القوطية… تستهويك همسا لممارسة حزنك بجميع طقوسه…

أذكر أن سائق التاكسي اكتفى يومها بسؤالي عن وجهتي… بانجليزية شبه معطوبة… دخل بعدها في صمت حالك… عله قرأ على وجهي علامات حداد كتلك التي تجرد وطني من جميع صيغ الكلام… فراح يطالع ملامحي من حين لآخر… و كأنه يبحث بينها عن أسئلة وحده يعرف الجواب عنها… كان شابا بمقاسات الوسامة المحلية… يشق الظلام على وقع أغنية حزينة… أثارت بجوفي رغبة غامضة في البكاء… و كدت أرتمي بين ذراعي عطره الرجولي الرزين و المتواضع في الوقت ذاته… كذئبة تعوي و قد قرح الشوق مدامعها… إلا أنني بلغت عنواني المنشود…   

عجيب كم يحس الإنسان بالراحة و هو بجوف حمامه… ذلك لأن الماء يذكره برحم أمه…

وحدها الأجنة تنعم بالراحة… في زمن يشغل الأطفال عن لعبهم… بالموت و السلاح… زمن لا يعد براعمه سوى بالخراب و اليتم… و زلزلة الأحلام الفتية… لو كان الأمر بيدي… لزرعت حبوب العقم في أرض العرب… حتى تتوقف آمتهم عن إنجاب وقود الحروب الخبيثة…

بعض دقائق في الماء تليها ولادة جديدة… لا تختلف عن كل الولادات التي عرفتها من قبل… أشعلت سيجارة… و وقفت أرقب عودة الحياة إلى مدينة الأبراج التاريخية العتيقة… 

جسر تشارلز… كثيرا يشعرني بالسغب … بالفقر… ترى أيرجع السبب لحجارته التي يقال أنها شدت بالاسمنت الممزوج بالبيض ؟؟؟

نزلت لحانة النزل… طلبت قهوة… تناولتها على عجل… ثم عدت لغرفتي… أتأمل منفضتي العامرة بأعقاب الخيبات… أنتظر رنين هاتف لا يرن…

كنت محتاجة لكتاب حزن أبكي بين دفتيه…

على خلاف خياناتها المعتادة… وجدت ذاكرتي تبوح لي… بسر حملته لي من الأمس… احتفظت به في حقيبة يدي…

 نزار… خيبة حب… و المطر… ثلاث متفاعلات كافية لتثير بجوفي إعصارا قد يلقن نهر فلتافا درسا عربيا في فن الفيضان العشقي… 

لا شك أنه أعتقدني سأظل أنتظره كقطة شامية… على الأريكة… أدخن حشيش عشقنا… بين أسطر قصائد خارجة عن القانون كقصتنا… إلى حين عودته… 

لما اختار نزار؟؟؟

أحقا لا  زال يذكرني ؟؟؟

لكن من لا يملك وطنا لا يملك تاريخ… و من لا يملك تاريخا لا يملك ذاكرة…

حتما ليست القضية قضية ذاكرة… علني فقط لفرط ما قرأني … تسربت من مسام جلده إلى عروقه فصرت محتومة عليه كزمرة دمه … سألته برعشة محتضر… ما الذي أتى بك؟؟؟ و أجاب مبتسما … قرأتك …

ثم إن كانت الذاكرة هي كل ما يجمعنا تحت سماء هته المدينة الذهبية التي تجهلنا بقدر ما نعشقها… لما سألني النسيان بعد طول غياب؟؟؟

قال لي… و هو يملأ كأسي الرابعة… استعيني على ذاكرتك بالسكر… و انسي لبنان صبرا و شتيلا…

و أجبته… بيروت المحروقة المشوهة…تنام في حفرة ذاكرتي… تحضن قرة تاريخي … أتأمل أن يفعل بي شراب براغ ما لم يفعله بي حبك المتمرد؟؟؟

 و واصل… أنت ربع ثملة… و شهية كتينة معسولة…

 مددت يدي أسترق بأناقة زيتونة كأسه… فامسك معصمي… مداعبا ندبات الجريمة… و قال بشيء من الحزن العربي النبرة… ما الذي أفقدك صوابك ؟؟؟  فأجبته بصوت بائعة هوى نصف ثملة… شراب براغ… و حزني ع … قاطعني دون ان يترك يدي… مثلك تماما أنا معطوب حرب… هلا قبلتي دعوتي… للرقص؟؟؟

أتممت كأسي الخامسة و رقصت مع قاتلي… على نغمة محلية ثلاثية الوزن…

لم يتفوه بكلمة… إلى أن تسربت قدمي تحت قدمه…

تعثرنا… و تلعثمت أجسادنا… لننفصل بعد طول حوار … حينها فوجئت بضياع تبعه ضياع… بين رغبات متداخلة…  رحت ألبيها على الرغم مني… واحدة… واحدة… تقيأت ثم أشعلت سيجارة… و أخرى… لتنقطع الصورة إلى أن وجدتني على أريكة بشقة في الحي اليهودي… ذات حزيران… و المطر ينزل في خفر…

 لملمت بعضي و خرجت بخطوات من سرق قلبا لم و لن يكون له إلى الأبد… متواضعة لقدري أمشي حافية القدمين…

اجتحت شارع حزن جديد على حيطة شبه عتمة… ألبس ثوب الخيانة عامدة متعمدة… أجر خيبة جديدة و مشروع كتاب…

 كان بكائي صاخبا… عن غير وعي… و قد بلغت قصيدة أم المعتز… و الأمير الدمشقي توفيق قباني… وجدتني غارقة في سواد كحلي… غريب هو ارتباط الحب باللون الأسود…

افتكني صوت نتاشا – فتاة النزل الموسكوفية –  الذي زارني عبر الهاتف… من خرابي المالح المذاق… جاءني مبشرا باتصال حولته إلى غرفتي…

سألني… ببعض الشوق… أأعجبتك الهدية ؟؟؟

كدت أسأله … أية هدية ؟؟؟ لولا طرقت نتاشا الباب… جاءتني تحمل باقة ياسمين… و علبة سجائر..

لما ؟؟؟ أما يكفيني دخان بيروت؟؟؟ و حرائق بيروت؟؟؟ جئت تحرقني بياسمينك… تمارس ساديتك من غير تحفظ… رددت منفجرة… و أتممت قولي مسترجعة أنفاسي … اتركني أواصل مشروع إعادة بنائي من دون إقحامك…  

لست ساديا… بل نزاريا يسكنك… وفي كل بناء تقيمين أو تهدمين سأظل حجر الأساس… ما أخذتي علبة السجائر… علمت أنها ليست نوعيتك … و أنك لست امرأة البدائل… لكنك كنت ستحتاجين مورفينك… تمنيت أن يقنع نزار و غبائي المتعمد عطرك الفاخر بالبقاء بين حيطان صالوني لمدة أطول…  و واصل… و ها أنا أتمنى لو تقبلي هديتي اعتذارا أعززه بعزيمة للقاء… أنا أنتظرك تحت…  و أقفل الخط …

عودتني أنوثتي العربية المقومات على الطاعة من غير سؤال… تعطرت… و نزلت بعد أن مسحت عن وجهي غمام نزار …

كان في سيارته… طاب لي ترقبه و هو يبحث عني يبن المارة… وددت لو أجعله ينتظرني لبعض الوقت… تماما مثلما انتظرته و بحثت عنه خلف كل نظارة سوداء… و في كل كلمة تخنقها ربطة عنق سوداء … و بين مطاوي كل بدلة رسمية سوداء صادفتني على الرغم مني منذ قرابة عمر… لكن أقدامي سبقتني إليه… فتحت الباب و ركبت قدري …

سلمنا على بعضنا كصديقين قديمين جمعتهما صدفة في مأتم…ثم شغل محرك الذاكرة… لنغدو في الاتجاه المشاكس لأقدارنا…

كبرت الأسئلة بجوفي… لكن  عطره الايطالي الهوية راح يعبث بأعصابي المكدودة… ما إن وطأت أقدامي أرض صحرائه الملغمة…

 تفاح أخصر و خزامة… و بعض الفلفل الأسود… كيف تقدر هته المعطيات البدائية ممزوجة في قارورة الأناقة الرجولية…  أن تتحول إلى إكسير قاتل ؟؟؟

كنت أحاول جاهدة إصلاح عطل حواسي التي تخلت عني واحدة… واحدة… و لم يبقى أمامي من سبيل سوى الاستعانة  بأنايا الأعلى لفك جمله المشفرة و محاولة الرد عنها بمثيل…

ما اعتقدتني قد أدين للجرائد يوما بخدمة عشقية بهذا الحجم… كنت ذاهبا لباريس يوم زف لي خبر تواجدك ببراغ…

 قال فيما كنت كمراهقة ترتعش تحت تأثير قبلة مسروقة… و أضاف مبتسما كما لو أراد أن يذكرني بدين علي دون أن يحرجني…

 تسولت كثيرا للعثور على عنوانك… صمت زمن التفاتة و واصل… حبر النقاد يذرف لصالحك لحد الساعة…  فالحقائق التاريخية سلعة يروج لها العالم بكثرة في هته الأيام… لقد أثار كتابك ضجة كبيرة…

الحقائق التاريخية ؟؟؟ قاطعته ببسمة مجبرة …  مرارة حبري… هي كل ما يجمع بين قصتي و الحقيقة … كل ما فعلته هو الاعتراف بجرم شهدته…ثم تلك الكلمة النسبية المعنى ليست الأحق لتلخيص حتمية ما كتبت… صمتت زمن استرجاع أنفاسي و أضفت محاولة تجنب عينيه… العالم يحترف بكاء التماسيح… يقتل عامدا متعمدا أطفالا ليتعطر بدموع أمهاتهن… يوقد نيرانا ويضرم حروبا ليتمتع بمطالعة جرائده كل صباح… العالم مختص في إنتاج اليتامى و الأرامل و تصدير الأسلحة تحت شعار المواساة و هيمنة الأمم… و لسوء حظنا… اختارنا القدر لنكون المادة الأولية لهته التجارة الرابحة…

 هروبا من حتمية ما هو محظور و مقدر…  قصدنا المستحيل طالبين حق اللجوء الفلسفي المؤقت… فتحدثنا مرارا و تكرارا و كل أحاديثنا انتهت بعلامات استفهام ضخمة تظللها سكرات إعجاب أضخم…

 لكثر ما ضعنا بين متاهات أذهاننا المتعطشة… نسينا نعمة الاحتراق تحت تأثير الحموض الناتجة عن تفاعل طبيعتنا البشرية… لكن المسافات ضوئية بين القلب و الشفاه… قد تختصرها الذاكرة العشيقة تماما كما قد يلغيها الحب في لحظة غفلة…

قال لي…

أتذكرين أول حديث دار بيننا عن أم المدائن هته؟؟؟ … أذكرك…

قطعته قبل أن يتم جزري…

أرجوك احتفظ بذاكرتك عندك… تكفيني فوضى وجودك على مقربة مني… فلا تخلط أشائك بأشلائي…

أجاب ساخرا…

تسريحة شعرك الجديدة ما غيرتك… لا زلت على ذات القدر من السذاجة و الجمال…

كنت أستقبل صوته الذي يأتيني من بعيد… بكثير من القلق المبهم… محاولة السيطرة على أعصابي في صمت … فبعد كل الرسائل التي كتبتها له… دون جواب لم يبقى عندي ما يقال…

أذكر أني لم أكن أشعر بالخيبة و لا بالأسف… لكنني كنت أنتظر… حتى أنني وجدت في انتظاري ملذة ألهتني عن عصف الذاكرة…

كتبت من غير تحفظ … و أنا على يقين أنه لن يمضي دون قراءتي … في البداية استعنت بكل قواميس الخيبة العالمية لوصف غيظي… ثم وجدتني مستسلمة لأشواق غامرة و قلق أشبه بالذي يعصرني اليوم…

علمتني الأزمنة الغابرة كيف أشعل شموع الترقب… دون الشعور بالملل…  بين فراق و رثاء… اجتحت حربا و فارقت وطنا يحتضر… أحمل في متاعي النحيل حزن رادها و ناي كريشنا و فحما مقدس العتمة… أٌقيم به كل ما باغتني اسمه الممنوع… شعائر البكاء…  كدت أطلق العنان لأسئلتي … لكني ما فعلت فلا مكان للاستفهام بعد كل ذلك التهجد بمعبد الشوق…

الكتابة… فن الإعراب عن الذاكرة… لكن كتابك كان مسربا آمنا نحو النسيان… فنقاطك و خواتمك بدت مستطابة في صرامتها… كيف استطعت أن تحتفظي لي بكل هته الذكريات ؟؟؟ … سألني بشيء من الكبرياء الرجولي…

بل كان نتاج مللي المزمن و العتيق… أما عن ذكرياتك فقد أمضيت عمرا ارسمها… حتى أنك كنت حاضرا زمن طباعتها الأولى…  أجبته محاولة حفظ ماء وجهي… لان مهرجتي الزائفة انكشفت… و ما عدت أملك ما يكفيني من ألوان الكذب لرسم ابتساماتي و مقاومة رغبتي الجامحة في الوقوع و التجزؤ عودة إلى مكنوناتي الأولى… بعد كل ما كتبت أعلم الآن أكثر من أي وقت مضى أنه لا بد من الاستسلام لتأدية الفصل الأخير…

أوقف السيارة… كنا قد عدنا للحي اليهودي…

كم من مخطوط  حب  جديد في حقيبتك ؟؟؟ سألني مبتسما قبل أن يسكت المحرك … و أجبت كطفلة مدللة…

كلما باغتني الحنين للخطيئة… جربت زوجا جديدا من العيون … طمعا في العودة للأسود…

كان بإمكانه أن يسألني بغيرة كل الرجال… عن عدد خياناتي لفصل الصيام اللامنتهي الذي امتد بيننا… لكنه اعتاد على صياغة أسئلة أنيقة… تزيدني حيرة و تعبا…  و تأجج اشتاقي للأشياء البسيطة… و الاعترافات المباشرة…

 أعاصيره المشفرة تهب دوما بما لا تشتهيه أشرعتي… 

ك دون خوان فلورنتينو أريزا… جربت الخيانة… وفاءا لهيام مستحيل…  لكن محاولاتي باءت بالملل…

لأني اعتدت على الرغبة في الممنوع… ما عاد المتاح يحرك شهوتي… ثم بعد طول الحرمان ألفت الغياب… فما عاد حضوره يعنيني… 

نزلت من السيارة… كمجرم سلم نفسه للمقصلة…

نزع نظارته… كان وجهه شاحبا… و عيونه متعبة… كمن قضى ليله محاولا إبرام عقد صلح بين الشعوب و الأديان…

فتح بابه… مطأطئا رأسه باتجاه مرحبا و استجبت في صمت و خشوع…

مذ غادرت بيروت… تعلمت أن لا أعود أدراجي … و ها أنا اليوم أقف على عتبة منزل هربت منه و المدينة غارقة في ظلامها كسارق يخشى أن يكشف أمره…

كنت ما تخطيت بعد أزمتي العصابية… و صراعاتي الداخلية كانت قد بلغت أوجها حين استقبلنا صوت يانع الأنوثة… كدت أسأله بغيرة كل النساء عن هويته… لكن الصورة سبقتني…

كثيرة هي الأشياء التي قد تنساها…

موضع مفاتيحك…  مواعيد عملك… جرعة دوائك…

 قد تشرب قهوتك مرة…فقط لأنك كنت مشغولا عن السكر بما هو أحلى أو أمر من بنك…

 لكنك لن تقدر على نسيان باب من أحببت … و تفاصيل لقاءاه… أو آلام الفراق…

ستذكر لون ملابسه… تسريحة شعره… و سيتبعك عطره… ملامحه… كلامه… حتى بجوف غيبوبتك… ستنحل في فمه مع كل لقمة دخلته… لتهطل عرقا مالحا… يعيد كتابتك دون أن يمحو حرفا من ما أحببته يوما…

غريبة هي العلاقات الحميمية التي تقيمها ذاكرتنا العشقية مع أشياء من نحب…

و غبية هي خرافات الهوى التي تتكبر عن التفاصيل مدعية النسيان…

كنا ثلاثة… هو… هي…و ذكرى حب  عائد للأسود … بصالون يهودي الولادة… لائكي النشأة و ملحد التفكير… تماما كصاحبه…

دون جواز رحيل أخذتني  خصال شعرها اللامنتهية التجعد و ثوبها الناصع البياض للبنان 1982… فدخلت بيروت الغربية عنوة…

كانت الصور تصلني دون الصوت…

رأيت حي بير حسن غارقا في فوضى عارمة…  و نحن نشق الغبار… حين بلغنا المدرسة… كان فستاني قد فقد بياضه و تبلل بعض الشيء…

الأرض بدت أقرب… ربما لأنني كنت أصغر… أما السماء… فلست أدري إن أمطرت يومها… لكن فستاني الأبيض كان مبتلا بعض الشيء…

سلمنا على بعضنا كصديقتين غربتهما الأقدار…

التقيتها بباريس لأول مرة… قبل عشرة أعوام… كانت كقطة برية تحترف التمرد على قوانين القبيلة… و كنت كغنيمة حرب تبحث عن أشيائها بين الأغراب…

كثيرا تشبهني… دخلنا مدرسة الحرب و تخرجنا منها بتقدير يتيم… علمنا القدر فنون الخيبة في سن مبكرة… فلم يبقى أمامنا من سبيل سوى الاستلام لواقعنا دون مقاومة…

قرأتني بجوف عيونها…

في بير حسن… دفنت آخر بسمة لي… كذلك أودعت لعبها و براءتها الأولى في مقهى عائلي بتل أبيب… كانت تحضر حفل ميلاد …  فآل العرس إلى صخب …

علمها القدر كيف تتحرق شموع الميلاد بأشلاء أحلام بريئة …

دفعت حياة والدتها و نعمة الوقوف على أقدامها مقابل عرض دامي  كانت و لا زالت في غنا عن حرائقه البهلوانية اللون المرة المذاق … 

الفرق بيننا أنها لم تمشي منذ ذلك اليوم فيما لم أتوقف عن المشي منذ تركت بيروت الغربية…

 


4 juillet, 2009 à 3:36


2 Commentaires pour “…عائدة الى الأسود”


  1. Spinozette écrit:

    Je n’ai pas encore tout lu, mais on sent notre littérature.

  2. oussama écrit:

    Je ne vais pas laisser un com, vu que je t’es expliqué mon point de vu…. simplement Ou est le reste des articles de ton blog! tu déménage?


Laisser un commentaire